محمد أبو زهرة
571
زهرة التفاسير
وهناك تخريج آخر لقوله تعالى : وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ بأن المراد بالإدلاء بها الخصومة بشأنها ، والترافع في أمرها ، وأنت تعلم أنك آخذها بغير حق ، ولكن لا حجة لخصمك على أن ما في يدك سلطانك عليه بالباطل ، ولقد قال في ذلك الحافظ ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما هذه الآية : وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ في الرجل يكون عنده مال ، وليس عليه فيه بينة ، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام ، وهو يعرف أن الحق عليه . فهؤلاء رشوا من هو في منصب القضاء ، ولكن يضله ليأكل مقدارا من أموال الناس بالإثم ، فكلمة فريق معناها مقدار قطعه من مال الناس ، وهو يعلم أنه إثم . ومن هؤلاء من يلحن بالحجة لضل الحاكم ، وقد روت أم سلمة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ألا إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضى له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار » « 1 » . هذان تخريجان لمعنى النص الكريم وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ وإن الإدلاء لتحويل الحكام عن الحكم يكون بسحت من المال يقدم لحكام السوء ، فيحولهم عن الحق إلى الباطل ، وإما بحجة براقة ، أو نقصان في دليل الخصم يتحولون به مخطئين من الحق إلى الباطل ، ويصح الجمع بين التخريجين إذ لا معارضة بينهما . والحكام هم المنفذون للأحكام .
--> ( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الأحكام - موعظة الإمام للخصوم ( 6634 ) ، ومسلم : الأقضية : الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ( 3231 ) .